03 فبراير, 2010

سر السعادة

سرُ السعادةِ



ذو العلم يشقى في النعيم بعقله .. وأخو الجهالة في الشقاوةِ ينعمُ

قبل أيام كنتُ في حديث مع صديق أثناء عبورنا بقعة كثيرة الزرع. وكان الجو كفيلاً بأن ينضح الشعر في قلب شاعر، إلا أن كلينا ليس بشاعر. كانت السعادةُ مدارَ الحديث. اختلفنا فيمَ يحققُ السعادة.

اليومَ أقعُ على نص قديم جداً، نصٍ لفيلسوف أندلسي هو ابنُ باجه. يقول ابن باجه: "إن الإنسان يستطيع بلوغ السعادة القصوى من طريق العلم والتفكير، لا بإماتة الحواس وتجسيم الخيال كما يفعل المتصوفون".
.


17 يناير, 2010

I'm yours

I'm Yours


well open up your heart and see like me
open up your plans and damn you are free


16 يناير, 2010

توليد الأسئلة والأفكار٣

توليد الأسئلة والأفكار ٣


التفكير السقراطي:

التفكير السقراطي -نسبة لسقراط الأثيني- منهج تفكيري يعتمد على طرح أسئلة متعددة لتكوين فلاتر (مرشحات) للأفكار في مراحلها المتعددة. النتيجة: هي الخروج بقناعة دقيقة حول شيء ما، حتى وإن كانت هذه القناعة هي أنك لا تعلم شيء!

سقراط كان يشجع تلامذته على طرح الأسئلة التي تقود للتفكير، أو التي تفيد لتطوير ملكة الفكر، والتفكير الذاتي "التساؤل". يعرض ريتشارد بول -من منظمة التفكير النقدي الأمريكية- أسلوب التفكير السقراطي على المتلقي ليساعده في تقييم التفكير. هناك:

- التساؤل حول الهدف\القضية:

ما هو التساؤل الذي تحاول إجابته؟ وهل يحتاج السؤال لأسئلة أخرى؟ هل يحتاج لتعديل؟ لم تسأل هذا السؤال؟ هل يختصر السؤال مشكلة كبيرة حقاً؟ إلمَ يقود السؤال؟

- المعلومات المتاحة:
التساؤل حول المعلومات المتاحة؟ أين مصدرها؟ قديمة أو حديثة؟ كافية أم لا؟ مهمة؟ متصلة بالموضوع أم لا؟ كيف نترجم المعلومة؟ استخدامنا صحيح لها أم لا؟ ما نبني عليها؟ أي خلاصات نصل لها؟

- بناء الفكرة:
عندما تعلم ماذا تريد (ما هو تساؤلك)، وتكون بيدك معلومات مناسبة، تكون لديك فكرة واضحة. الأفكار تخضع لذات النظام: ما هي الفكرة الرئيسة؟ هل تحتاج لتعديل؟ هل من طُرق أخرى لطرق ذات الفكرة؟ اللغة المستخدمة؟ هل نستخدم المصطلحات المناسبة والدقيقة. نطور مجموعة الأفكار.

-إنشاء الفرضيات:
هل تشرح الفرضية الفكرة؟ هل هناك شروحات أخرى؟ هل هناك أبعاد أخرى محتملة؟ هل من نواقص؟ الأدلة، نوعيتها، جودتها؟
.

حول التفكير السقراطي:

لقد تم تطوير التفكير السقراطي نحو صيغ أخرى، مثل: قبعات التفكير الست.

التفكير السقراطي مهم جداً لبناء التفكير النقدي، والذي هو ضد التلقين. التفكير النقدي يساعد على إيضاح "المشاكل" أو القضايا، وعلى اتخاذ قرارات موضوعية لا عاطفية. يساعد على بناء الفعل، لا ردة الفعل.

التلقين آفتنا، نحنُ في الشرق. يلقنُ السابقُ اللاحقَ عندما يتوقفُ المجتمع عن إنتاج قيمة حضارية. يختفي الإبداع، ويعمُ التقليد، تقليدُ السلفِ، والجماعةِِ، والمثالِ الاجتماعي والديني. ويسود الاعتقاد الجماعي، لا التفكير الفردي.

محاضرة ريتشادر بول:

10 يناير, 2010

التعبير عن التفكير ٢

التعبير عن التفكير ٢


هناك الآن تفكير يتكون في الذهن بشكل منظم وواضح. لكن كيف يمكن إيصال التفكير المنظم للآخرين بشكل منظم؟

هناك أشكال متعددة يوصل بها الإنسان أفكاره للآخرين: الحديث المباشر، أو الكتابة، أو المناظرات. الحديث المباشر أو الارتجالي قد يستثنى لأنه ليس منظماً -عادة-، ويكون غالباً شخصي الطابع.

الكتابة:

كتابة التفكير وصياغته بشكل جيد أمر مهم. تقدم المقالات أو العروض البصرية (خلاصات التفكير والبحث) في المحافل العلمية، أو كبحوث أكاديمية في الجامعات، أو كأعمدة لكُتاب محترفين في الصحف، أو تطبع ككُتب .. إلخ. تضع
هيثر روبرتس إرشادات معينة للكتابة الدقيقة، التي تعبرُ بدورها عن التفكير المنظم (ذي العوامل القياسية). وهناك أمثلة لأبجديات الكتابة الدقيقة:

١. احتواءها على مقدمة، حيثيات، نتائج، مناقشة، خاتمة. قد تزيد أو تنقص الخطوات السابقة حسب الغرض من الكتابة، ونوعها، والجهة المستقصدة.

٢. احتوائها على فقرات، يتنوع عددها حسب السؤال أو الفكرة الرئيسية (مدى تعقيده)، والمساحة المُتاحة، والأفكار الجزئية التي سيعرضها الكاتب في مقاله.

٣. تحتوي الفقرةُ الواحدة على فكرة واحدة فقط. الفكرة تكتب في الجُملة الأولى من الفقرة. الجُمل الأخرى في الفقرة تسندُ الفكرة من خلال عرض الحجج المُساندة، وإعطاء الأمثلة التدليلية، أو إحصاءات داعمة. هذه الهيكلة مهمة جداً لتنظيم انسيابية الأفكار في الكتابة. ومهمة جداً -أيضًا- للقاريء السريع الذي يعرفُ محتوى الفقرة من جملتها الأولى، فيقرأ ما يهمه، ويعرض عما لا يهمه.

٥. يجب أن يكون الكاتب دقيقاً جداً في التفريق بين نتائج الآخرين -حينما يستعيرها-، ونتائجه الخاصة، وآراءه وتأويلاته.

٦. اللغة: دقيقة صارمة، وليست بلاغية مطاطة. اللغة هنا ليست لغة أدبية. يجب أن يراعى الترقيم، فيعرف القاريء متى تنتهي الجملة، ومتى تبدأ الفقرة الجديدة. ويسهل عليه تتبعُ الأفكار حينها.
.

من خلال عناصر التفكير القياسية، وطُرق الكتابة الدقيقة يتمكن المتلقي من فحص النصوص -أياً كانت- التي تخاطبه، إن كانت موضوعية أم لا.

مثلاً:
مجلس الشورى الله يعين وضع فقط للوجاهة

أعضاء المجلس ينتخبون لمقاماتهم وبس وليس لأفعالهم

مجلس الشورى لا دور له ومجرد يلأتي الوزير وتطرح عليه أسئله ويروح مكتبه وتمثيلية سنوية والمواطن المسكين الله يعينه
المصدر

بالبيان أعلاه إشكالية مثيرة للغاية. الكاتب لا يقتبس بيانه السابق من نتائج كاتب أو باحث سبقه، ولا هو يصرحُ أنه كتبَ رأيه أو استنتاجه القائمة على مشاهداته (لم يورد: أعتقدُ، أظنُ، أرى ..إلخ) ليتيح للآخر إمكانية الاختلاف معه، بل يقدم بيانه statement كحقيقة fact. إن الحقيقة لا تُطرح جزافاً. إضافة للسابق، لا يعني هذا أن مجلس الشورى لا تنطبقُ عليه ملاحظات الكاتب. الإشكالية القائمة المعنيةُ هُنا تكمن في الواصِفِ لا الموصوفِ.
.
مثال آخر:
"تعيش السلطنة فصلا سياحيا استثنائيا وجد فيه الأجانب طقسا دافئا شجعهم على السياحة والتجوال، فخلال هذه الأيام تفد مجموعات سياحية من دول أوروبية لزيارة المدن القديمة، وبعض المعالم الأثرية كالقلاع والحصون، خاصة تلك التي تم تأهيلها وتأثيثها وتحويلها إلى متاحف، حيث يخرج منها الزائر بوفرة من المعلومات فيما يخص الجانب الأثري، كقلعة نزوى التي تستقطب شهريا آلاف الزوار، وغيرها من المواقع والمعالم".
البيان المنشور -أعلاه- في جريدة عُمان واضح جداً محتواه. لكنه ليس دقيقاً. لم يقدم أرقاماً تدعم ما يدفع به. من هُم الأجانب الذين وجدوا الطقس الدافيء؟ وكم عددهم؟ وأي المعالم زاروا في السلطنة؟ وما هي المعلومات التي يخرجُ بها السائح من المواقع الأثرية؟

أيضاً جريدة عُمان ليست جهة مختصة برصد السياحة في السلطنة. فمن أين أتت بالبيان؟ من أصدره؟ وما علاقته بالسياحة في السلطنة؟

قد يكون الخبر المنشور بالموقع الإلكتروني للجريدة ناقصاً عن الطبعة الورقية. لكنه مثال جيد للنصوص الغير واضحة التي تحمل خبراً (أو فكرة) للمتابعين.
.

المناظرة

للمناظرة أهمية كبرى للتعبير عن الأفكار. تكمنُ أهمية المناظرة في خطابها المُباشر السريع للجماعة، وتأثيرها على أفكار المتابعين. المناظرة تحتوي عادة طرفين مختلفين حول فكرة أو أفكارة معينة. والمناظرة تحتوي أيضًا حكماً أو مُقرراً للمُناظرة، ويتولى الحكم إدارة المناظرة، وفي أحيان أخرى (المسابقات تحديداً) يُعلنُ الفائز في المناظرة.

يمكن اعتبار شيوع المناظرات أمراً صحياً في المجتمع. وجود جهتين مختلفتين ينبيءُ بدءً باحتمال وجود اختلاف حول الفكرة المطروحة للنقاش. هذا يستدعي الإيمان بإمكانية الاختلاف، والتعبير عنه.

كانت المناظرة رائجةً جداً في تاريخ المسلمين الأوائل كما يسجله المؤرخون العقديون. وهي رائجة جداً اليوم في بعض دول العالم. إنها رائجة في عالم السياسة بالدول الديموقراطية، حيث يتناظر المترشحون لبيان طبيعة برنامجهم السياسية للمواطنين. تجري بعض الدول مسابقات وطنية للمناظرة على مستوى طلبة المدارس، وطلبة الجامعات (أستراليا كمثال). في أحيانٍ كثيرة لا يتبارى المتناظرون حول صوابية الفكرة التي يطرحونها، بقدر ما يتبارون في "الطريقة" التي يروجون بها لأفكارهم. يحدثُ هذا في عالم السياسة كثيراً، خصوصاً إن لاحظنا أن بعض المناظرات تكون "شعبوية"، لا "موضوعية" الطابع.
.

هُنا نموذج لبعض أنواع المناظرات: المناظرة من "مناظرات الدوحة" الشهيرة، التي يديرها تيم سبيستيان. عنوانها "حرية اتخاذ قرار الزواج لدى المسلمة".


09 يناير, 2010

العناصر القياسية للتفكير (1)

العناصر القياسية للتفكير (1)


هناك عناصر قياسية للتفكير يعددها الدكتور ريتشارد بول -من مؤسسة التفكير النقدي الأمريكية-. بغيابها يكون الفكر مشوشاً، أو أن العملية التي أنتج من خلالها ليست سليمة. أيضًا هذه المعايير ضرورية ليتبعها الفرد كي يوصل أفكاره للمتلقي بشكل واضح لا لبس فيه.

الأول: الوضوح "clarity":
التفكير لا بُد أن يكون واضحاً. يكون التفكير واضحاً إن عبرت الكلماتُ عن الأفكار، والكلمات تشرح ما يقصده المتكلم بشكل كاف وواف. لا مجال للتضليل، لكن للفهم المباشر. إن كان الحال هكذا، فالمجاز وبقية الحيل البلاغية تصبحُ غير مستحبة لأنها تُحملُ اللفظ أكثر من معنى.

مثال: هل ترغب بقهوة؟ الجواب: ربما. الجواب هنا ليس واضح، ولا يعطي خبراً للمستفهم.

- يُستفهم عن الوضوح من خلال سؤال المتكلم عن تفصيل أكبر، أو إعطاء الأمثلة، أو الرسومات التعليمية.

الثاني: الدقة "accuracy":
الدقة تعني إعطاء بيانات أو إحصاءات لتضاف إلى عامل وضوح الفكرة. الدقة هنا ليست شيئاً مجرداً "Abstract"، بل حقائق أو وقائع"Concrete".

مثال: ما هو طولك؟ الجواب: مثل طول زيد. الجواب -مرة أخرى- ليس دقيقاً، لأن طول زيد ربما لا يكون معلوماً للمتسائل.

- يُستفهم عن الدقة من خلال السؤال عن البيانات (الوزن، درجة الحرارة، السرعة، العنوان، الوقت).

الثالث: صحة البيانات "Accuracy":
يقصد بصحة البيانات هو صحة ارتباط البيانات بالفكرة، ومدى تعلقها بها. يمكن أن تُخلق -مثلاً- إحصاءات لعدد المدارس في عمان، لكن هذه الاحصاءات يمكن أن تكون مضللة وليست صحيحة. يجب أن تكون البيانات صحيحة.

- يُستفهم عن صحة البيانات من خلال السؤال عن مدى صحتها. أو كيفية التأكد منها؟

الرابع: الارتباط Relevance:
أن تكون الفكرة (الواضحة، والدقيقة والصحيحة بياناتها) مرتبطة بالموضوع، أو بالسؤال الذي تحاول الإجابة عليه. قد تكون الفكرة واضحة وبياناتها دقيقة، وصحيحة لكنها غير مرتبطة بالموضوع. يجب أن تُكيف الفكرة (بجميع عواملها) لتجيب السؤال.

مثال: كم عدد الولايات في عمان؟ هناك ٤ محافظات و ٥ مناطق في عمان. بكل محافظة ومنطقة عدد من الولايات.
المعلومات التي أوردها المجيب دقيقة وصحيحة، لكنها لا تجاوب السؤال.

الخامس: العُمق Depth:
لا يمكن للأفكار أن تكون سطحية إن كانت جواباً لأسئلة مركبة. الأسئلة المركبة تتكون من عدة أبعاد، لهذا لابد أن يكون الجواب بأبعاد متعددة.الأسئلة المركبة تحتاج دائماً أجوبة عميقة، وأفكار متعددة، ومعلومات كثيرة. لكن الإجابة العميقة ليست مطلوبة دائماً لأن بعض الأسئلة تكون سطحية.

مثال: ما هو إنتاج سلطنة عمان من الأسماك سنوياً؟ وما هي أبرز أنواع الأسماك المنتجة؟ وما هي الشركات المستثمرة في قطاع صيد الأسماك؟
هذا سؤال مركب، لا يمكن أن يكون جوابه: "عمان تنتج الكثير من أنواع الأسماك، والكثير من الشركات تستثمر بالقطاع". السائل يعلم أن عمان تنتج السمك، لكنه لا يعلم الكمية، ولا الأنواع، ولا المستثمرين. لذا فالإجابة السابقة لا تعطي قيمة خبرية للسائل، لخلوها من أية بيانات، ولم تجب على الأبعاد التي طرحها السائل.

- يًستفهم عن العمق من خلال الاستفهام عن مدى تعقيد السؤال، أو كيف يمكن الإجابة عليه.


لتصفح مقاطع ريتشارد بول:


08 يناير, 2010

زوربا: دعوة لحياة في مساء الجمعة

زوربا: دعوة لحياة في مساء الجُمعة

05 يناير, 2010

هوس الأديولوجيا وغياب العقل

هوس الأديولوجيا وغياب العقل


على أرضِ الشرق الأوسط، الآن، انفجار طائفي بين أهل السنة السلف والشيعة بسبب خطبة جُمعة ألقاها الشيخ محمد العريفي. ويبدو أن الشيخ العريفي -المشهور بمحاضراته- ألقى ما تحمله كنانته لناس الرياض، والرياضُ عاصمة دينية أيضًا لدى الناس، تصدرُ العقائد الصحيحة، وعلى رأسها التوحيد النقي.

العريفي -رغم شدة ما ألقاه- لم يخرج عن إرثه التاريخي. وإن ساء الناسَ (خارج الرياض) ما قاله، فإنه ردد قول أكابره. والأكابرُ اليوم يلبسون البشت، يهرولون خلف ولي الأمر، الذي شاء الظرف السياسي وهو أيضًا، أن يدعو للتعايش بين المذاهب والأديان. لكن العريفي يعبرُ عن روح ثقافته وإرثه، لا عن ملابس الحرير التي يتسربلها آخرون.

رد مراجع الشيعة كان حليماً لطيفاً. يردُ على الإساءة بالإحسان، وللهِ الحمدُ في ذلك. فإن كان خطيبُ الرياضِ مجنوناً، فإن خطيب النجف لا ينقصهُ العقل (العقلُ هُنا هو عقلُ اللحظة الراهنة) وأخلاقه. لكن رغم هذا، لا بأس أن ينزع خطباء المنابر الشيعة الأصغر إلى مهاجمة العريفي وثقافته، وتذكيرهم بالماضي القديم والبعيد، وحتى الحاضر السيء. المرجعُ الأكبر يخاطبُ العَالَم، والخطباء الأصغر يخاطبون جمهورَ الشيعة. هذا يناظرُ ما يحدث في الضفة الأخرى، العريفي (خطيب صغير) كان يحادث أهل التوحيد، بينما يحادث العَالَمَ العلماءُ الأجلاء. لكن سوء حظ العريفي أن خطبته طارت لسماء الإعلام، كما تطير حمامة ليقتنصها صياد.

يسردُ السُني لأتباعه -تشنيعاً في الشيعي-: خيانة العلقمي، ومذابح شيراز، ومصحف فاطمة، وزاوج المُتعة، وعصمة أئمة آل البيت، وسب الصحابة، ..إلخ. ويشنعُ الشيعي على السُني بدوره: استيلاء الصحابة على الخلافة، وموالاة معاوية، ونصب العداء لعلي وآله، وقتل الحُسين، واضطهاد آل البيت .. إلخ. وكُليهما يشنعُ على الإباضية الذين يرون أنفسهم أهل الاستقامة. وفي هذه المعمعة، يهاجم أهلُ السلفِ المتصوفة َويدعونهم لهدم الأضرحة وترك البدع، ويردُ المتصوفة أنهم يوادون أولياء الله.

على ضفتي الخليج، وعلى ضفاف أخرى، تغردُ العصافير (والعصفور نسخة رديئة التطور من مخلب صقر) عن التسامح مع الآخر، واحترام الآراء، والحرية. إنهم يكذبون. يكذبون على أنفسهم، ومستمعيهم. التراث الذي يتسربلونه لا يتيح لهم رؤية ألوان الحياة. هم ليسوا مستقلين. يرون بمنظار الماضي. لا يرون بأعينهم.

مسكين هو العريفي، ومسكين قبله العوضي، وكثير من الناس مساكين. إنهم أسارى الماضي، ماضي الكراهية، والتقوقع، والتعصب. إننا أبناء الحاضرِ، لا الماضي ولا المستقبل. لكنه حاضر -كما يبدو- لم يخرج بعدُ من الماضي، لم يحتفظ بمسافة عنه.
.

04 يناير, 2010

أشوفك

أشوفك

03 يناير, 2010

الناصية والإعجاز العلمي، من البريد الإلكتروني

الناصية والإعجاز العلمي، من البريد الإلكتروني


إيميل:
في كتابه (وغداً عصر الإيمان) يقول الشيخ عبد المجيد الزنداني بخصوص سورة العلق : كنت أقرأ دائما قول الله تعالى (كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة). والناصية هي مقدمة الرأس وكنت أسأل نفسي وأقول يا رب اكشف لي هذا المعنى. لماذا قلت ناصية كاذبة خاطئة؟ وتفكرت فيها وبقيت أكثر من عشر سنوات وأنا في حيرة أرجع إلى كتب التفسير فأجد المفسرين يقولون: المراد ليست ناصية كاذبة وإنما المراد معنى مجازي وليس حقيقيا، فالناصية هي مقدمة الرأس لذلك أطلق عليها صفة الكذب (في حين أن المقصود صاحبها). واستمرت لدي الحيرة إلى أن يسر الله لي بحثا عن الناصية قدمه عالم كندي (وكان ذلك في مؤتمر طبي عقد في القاهرة) قال فيه : منذ خمسين سنة فقط تأكد لنا أن جزء المخ الذي تحت الجبهة مباشرة "الناصية" هو المسئول عن الكذب والخطأ وأنه مصدر اتخاذ القرارات.فلو قطع هذا الجزء من المخ الذي يقع تحت العظمة مباشرة فإن صاحبه لا تكون له إرادة مستقلة ولا يستطيع أن يختار. ولأنها مكان الاختيار قال الله تعالى: (لنسفعا بالناصية) أي نأخذه ونحرقه بجريرته. وبعد أن تقدم العلم أشواطا وجدوا أن هذا الجزء من الناصية في الحيوانات ضعيف وصغير (بحيث لا يملك القدرة على قيادتها وتوجيهها) وإلى هذا يشير المولى سبحانه وتعالى: (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها). وجاء في الحديث الشريف: "اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك". ولحكمة إلهية شرع الله أن تسجد هذه الناصية وأن تطأطئ له.
عزيزي .. أود مشاركتك بعض النقاط تجاه الإيميل أعلاه.

1. الإيميل يدعي أنه يقتبس من كتاب"وغداً عصر الإيمان" للشيخ عبدالمجيد الزنداني. ولأن الإيميل جاء عن طريق النشر في البريد الإلكتروني فنحن لسنا متأكدين أن الشيخ الزنداني قد ذكر ذلك في الكتاب المذكور آنفاً.

2. قضيت ما يقارب خمس عشر دقيقة أبحث عن كتاب "وغداً عصر الإيمان" للشيخ عبدالمجيد الزنداني في جوجل، ولم أجده. وجدتُ كتباً أخرى للشيخ ليس من ضمنها الكتاب المذكور. وجدتُ اقتباساتٍ من وغداً عصر الإيمان في المنتديات الإلكترونية، لكنني لم أجدِ المصدر ذاته. وعلمياً لا يمكن أن تثقَ بمصدر لم تقرأه. ولا يمكن أيضًا أن تثق بالمقتبس منه.

3. لنفترض أننا وجدنا كتاب الشيخ الزنداني السابق، ووجدنا الرسالة السابقة مقتبسة من الكتاب المُشار إليه. لكن الشيخ الزنداني لم يذكر اسم مصدره، أو عنوان الورقة العلمية التي أشار إليها، أو حتى المؤتمر الذي عُقد. المعنى: أن الشيخ الزنداني -كما هو واضح من الإيميل- لا يقدم لنا أية معلومات موثوقة عن هذا الطبيب الكندي، ولا عما قاله بالضبط. أنتَ تدرك المعايير الأكاديمية التي تتطلبها الجامعات من طلبتها حينما يستخدمون المراجع العلمية. لا يوجد ما يشببها فيما وردنا من الشيخ الزنداني!

دعنا نتحدث عن فحوى الإيميل السابق:

4. "لنسفعن بالناصية، ناصية كاذبة خاطئة". زرتُ مواقع بعض المعاجم العربية الشهيرة لأبحث عن معنى كلمة ناصية. وجدت التالي. في قاموس محيط المحيط، الناصية هي "قُصاص الشعر في مقدم الرأس". في المُحيط: شعر مقدمة الرأس إن طال. في الغني: شعر مقدم الرأس إذ طال. لم أجد في معاجم اللغة العربية ما يشير إلى أن الناصية هو الدماغ، أو أحد أجزاء الدماغ. يمكن أن تتأكد من القواميس باستخدام كلمة: ناصية، في الرابط هُنا.

5. يظلل الإيميل السابق بالأحمر:أن جزء المخ الذي تحت الجبهة مباشرة "الناصية" هو المسؤول عن الكذب والخطأ، وأنه مصدر اتخاذ القرارات. الإيميل يدعي أن المخ تحت مقدمة الجبهة هو الناصية، بينما هذه المعلومة مغلوطة لغوياً استناداً على ما جاء بالقواميس اللغوية.

6. هناك آية أخرى في القرآن بها: "يُعْرَفُ الْمُـجْرِمُونَ بِسِيَماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالاَْقْدَامِ" . جاء في تفسير القرآن أن الناصية شعر مقدمة الرأس، وأن المُجرم يُسحب منها مهانة له وإذلالاً. نرى هنا المعنى الدلالي للآية يتسق مع معنى المفردة اللغوي، وهذا يتعارض مع تفسيرات الشيخ الزنداني (أو مرسل الإيميل).

7. الجزء من الدماغ تحت الجبهة يسمى فرونتال لوب، ومن إحدى وظائفه مركز اتخاذ القرارات. اضغط هُنا للمصدر. لكن المصدر لا يقول لنا أن ذلك الجزء من الدماغ مسؤول عن الكذب. أي أن الجزء المظلل بالأحمر الوارد في الإيميل السابق هو إضافة من عند مؤلف الإيميل ليربط بين الآية التي تشير للناصية الكاذبة، وبين الفرونتال لوب الذي سماها تجنياً بالناصية.

8. البنية المنطقية للإيميل السابق غير متماسكة. وأتمنى أن تلاحظ معي أن الإيميل ادعى أن تلك المنطقة من الدماغ ضامرة تقريباً عند بقية الحيوانات، لهذا يأخذ الله بناصيتها كما جاء بالآية: "ما من آية إلا هو آخذ بناصيتها"، لكن الرسول يقرر عقب ذلك أن "ناصيته بيده -أي بيد الله-". وأرجو أن تلاحظ في الآية "ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها" أيضًا أن معنى كلمة دابة لغة هو كُل ما يدب على الأرض، أي أن الدابة ليس الحيوان فقط، بل الإنسان أيضًا دابة. لهذا فالله يأخذ بناصية بني آدم. وإن كان الحالُ هكذا فنسأل أنفسنا من يقود ناصية الإنسان، أهو ذاته (لأن الله يسفعها له للعقاب)، أم الله سبحانه (لأنه آخذ بناصيتها ابتداءً)؟ وإن قادها اللهُ له فما معنى الثواب والعقاب حينها؟ وما معنى أن تسجد الناصية لله إن كان هو يملكها أصلاً؟

9. تمييع اللغة، ثم إعادة نحت المعنى من جديد ليتوافق مع منجز علمي هو أمر مخزي جداً للقائمين عليه والمؤمنين بالإعجاز. يبدو لي أن العاجز يبحثُ عن إعجاز ليردف إيمانه في زمن لا يحوي معجزات.

01 يناير, 2010

فقدان الذاكرة والموت

فقدان الذاكرة والموت



فَقَدَ صديقي الذاكرة. كان يتشقلبُ تحت أضواء الألعاب النارية في احتفال دخول السنة الجديدة، فوقع على رأسه. لبرهة ظننا أنه أغمي عليه، حينما لم يستجب لوخزنا المتتالي له. ربما فقد الإحساس حينها، لكننا تأكدنا أنه فقد الذاكرة حينما لم يعرفنا، لم يُميز من كان حوله، ولم يميز ذاته، ولم يميز الزمن.

هي أول تجربة أتعامل من خلالها مع فاقد ذاكرة. وكان ذلك شيئاً مميزاً. اضطر هو أن يثقَ بالأغراب (من كانوا نحن). واضطررنا نحن أن نفكر ما العمل؟ ماذا نفعلُ به؟ كيف يستعيد ذاكرته؟، واضطررنا أن نتأمل طبيعة الأمر، أفقد مؤقت للذاكرة أم أبدي؟ وهل الأمر تعيس جداً كما بدا من الوهلة الأولى؟

اتخذنا القرار على عجالة بأن نأخذه للمنزل لينام. ربما احتاج للراحة كي يتعافى. في الطريق بدا شارد التركيز، وبعيداً جداً. كان ينظر للأضواء القادمة من البعيد. عيناه مضطربتان، لكنه صامت. فكرتُ للحظة: لو كنت مكانه لتسائلت عمن أكون، ومن هؤلاء الذين يركبون معي (أو أركب معهم)، وإلى أين ذاهبون. بيد أني استدركتُ نفسي لقد نسيَ ذاكرته، وربما نسىَ التساؤل!

ما يزال صاحبي مضطجعاً على سريره وأنا أكتبُ هذه الكلمات. تستبدُ بي بعض الأفكار، لتقاربني إلى عالمه. ما الفرقُ بين الموت وفقدان الذاكرة. كلاهما يأخذان الذات (الوعي) ويتركان جسداً. ما الفرقُ بين جسد الميتِ، وفاقد الذاكرة سوى أن الأول شيءُ ميت، والآخر شيء حي. كلاهما شيء، ولكنهما دون قيمة حقيقية في هذا الوجود. لكن إن فكرتُ هكذا، هناك أشياء حية كثيرة دونما وعي، ودونما قيمة حقيقية في الوجود. مجرد رتوش على السطح، لا تُزيدُ أو تُنقصُ في القيمة.

صاحبي ما يزال على السرير. إنه نائم. النوم أيضًا فقدان للذاكرة، أي فقدان للذات، أي أنه موت كذلك. لكن الإنسان يتذكر اللحظة التي فاجأهُ فيها النعاس، وربما يتذكر أنه قام أثناء النوم، أو يتذكر أحلامه وكوابيسه. تبقى ذاكرته حية حينما يفيق، مع ثقوب بسيطة فيها. لكن هل سيذكرُ صاحبي اللحظات التي عاشها وهو فاقد للذاكرة؟
لا أدري.
.